عائلاتٌ صَعدت إلى السماء

مجازر العائلات الفلسطينية في العدوان الإسرائيلي على غزة 2021











تحقيق خاص : هبة بطة

صورة لتواصل أعمال البحث والانقاذ وسط حطام مبان في شارع الوحدة بمدينة غزة بعد غارات جوية للاحتلال الإسرائيلي، 16 مايو 2021

صورة لتواصل أعمال البحث والانقاذ وسط حطام مبان في شارع الوحدة بمدينة غزة بعد غارات جوية للاحتلال الإسرائيلي، 16 مايو 2021

في العاشر من آيار لعام 2021، شَنّت قوات الاحتلال الإسرائيلي غارات صاروخية مُكثَّفة على قطاع غزة، في حرب عرفت بـ"حرب أيار/ مايو"، على خلفية الأحداث والاعتداءات في المسجد الأقصى
ومنطقة الشيخ جراح في مدينة القدس

استشهد 259 مدنيا فلسطينيا
بينهم
65 طفلا، و39 سيدة

مقطع فيديو مصوّر لقصف إسرائيلي صاروخي استهدف منطقة بغزة خلال الحرب عليها عام 2021

مقطع فيديو مصوّر لقصف إسرائيلي صاروخي استهدف منطقة بغزة خلال الحرب عليها عام 2021

 وبعد انقضاء 11 يوما، توقفت الحرب. أصدرت وزارة الصحة الفلسطينية إحصائية تفيد بأن 19 عائلة غزيّة مُحيت عن السجل المدني على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي

في هذا التحقيق تواصلنا مع مصادر المعلومات بشكل مباشر، سواءً المقربين أو المطّلعين على تفاصيل إبادة العائلات؛ تبين أن 10 عائلات من أصل 19 عائلة محيت بشكل كامل عن السجل المدني الفلسطيني. أما العائلات التسع الأخرى فقد بينوا أن أعداد الأفراد المتبقين من العائلة هو الجزء الأكبر منهم، وهذا لا ينفي تهمة إبادتهم بشكل كامل

توزعت مجازر العائلات في أربع مناطق على طول امتداد قطاع غزة

وتوزعت أعداد المجازر حسب المناطق كالتالي

من المهم الإشارة إلى أن قطاع غزة يعتبر أكبر تجمع للفلسطينيين في فلسطين، إذ تبلغ مساحة القطاع 360 كم2. وهي من أعلى المدن الفلسطينية كثافة بالسكان، البالغ عددهم 2.05 مليون نسمة، ما يجعلها من أكثر المدن كثافة بالعالم


أكدت جميع شهادات العائلات على الاستهداف المتعمد والمباشر من قبل الاحتلال الإسرائيلي لإبادتها

استهداف مقصود للمدنيين الآمنين

بيّن الأفراد الناجيين من هذه المجازر وأصحاب المناطق التي قصفها الاحتلال الإسرائيلي في غزة أنها سكنية بالكامل، ومن المستبعد وشبه المستحيل قصفها لما تتضمن من بيوت معروفة بأنها لأناس معروفين وواضحين. وأفادوا أن الاستهداف متعمد وواضح وكثيف؛ من أجل إبادة عائلات كاملة

كما حدث تحديدا في شارع الوحدة وسط مدينة غزة، الذي راح ضحيته 4 عائلات محيت من السجل المدني الفلسطيني: (عائلة الكولك، أبو العوف، الإفرنجي، أشكنتنا)، بقصف صاروخي مكثف لمربع سكني وصف بأنّه الأكثر حيوية من الناحية السكانية والتجارية، على سبيل المثال لا الحصر

إذ يقطن في ذلك الشارع عدد من الأكاديميين والمهندسين، وآخرون يمتلكون محال تجارية في نفس المنطقة ويعملون فيها


فيما يبرر الاحتلال الإسرائيلي جرائمه بأن قصف تلك المناطق تحت ذريعة "الأهداف العسكرية". إلا أن الاحتلال الإسرائيلي يعلم عدد المدنيين وأسماء النساء والأطفال والمسنين الذي يعيشون في كل بناية سكنية

فبحسب اتفاقية أوسلو التي تقضي بأن تنقل وزارة الداخلية الفلسطينية بواسطة الشؤون المدنية بيانات المواطنين الفلسطينيين بشكل دوري إلى الجانب الإسرائيلي خاصة بيانات المواليد الجدد لتصديقها لاحقا؛ لاستصدار الهويات في الوقت المناسب، والتي تمكنهم من السفر عبر المعابر التي تتحكم بها إسرائيل

وهو ما يؤكد أن وزارة الداخلية الإسرائيلية لديها السجل المدني الفلسطيني مُحدّثاً بدورية وبشكل مستمر، مشتملا على كافة التفاصيل كالأسماء والأعمار والعناوين والأعداد

عائلات شارع الوحدة

المشهد بعد مجزرة الاحتلال الإسرائيلي في شارع الوحدة في غزة عام 2021

المشهد بعد مجزرة الاحتلال الإسرائيلي في شارع الوحدة في غزة عام 2021

خرسانة حالت بينه وبين صوت أطفاله

فجر الأحد 16 مايو/ أيار

خمسة شهداء •

كانت عائلة أشكنتنا تحتفل بثالث أيام العيد، يرتدون الملابس الجديدة، في صالة واحدة وفي جلسة عائلية هادئة وحديث الزوجين ولعب أطفالهم وصوت التلفاز الذي يتابعون من خلاله ما يجري في المدينة، قصف الاحتلال الإسرائيلي 60 صاروخا على مربع سكني في شارع الوحدة. انتهت جلسة العائلة لتبقى الطفلة سوزي وحيدة مع أبيها تُبكي أمها وأخواتها الأربع يوميا بلا توقف منذ استشهادهم  

عائلة اشكنتنا، والتي استشهد منهم خمسة أفراد، يحدثنا عم العائلة رمزي أشكنتنا، عن أحداث الليلة العنيفة جدا والتي أدت إلى استشهاد الأم وأطفالها الأربع 

ليلة القصف

"كأنها يوم القيامة، ليلة عنيفة للغاية، هل بإمكان لأي عقل أن يتخيل 60 صاروخا من طائرات حربية خلال دقائق معدودة، أي إجرام هذا، هذه إبادة جماعية. لقد شاهدنا اللهب في كل مكان، أًصوات الصواريخ مريعة، أصوات الانفجارات، وهبوط المباني"، يقول رمزي أشكنتنا، الذي يسكن بالقرب من بيت أخيه الذي قصفته قوات الاحتلال الإسرائيلي في تلك الليلة. يتابع باستهجان: "منطقتنا معروفة لدى الجميع، وجميع من يسكن فيها هم محاضرين في الجامعات بغزة، أو يعملون في مهن تجارية في نفس الشارع، المنطقة غير مشبوهة، ولا يوجد أي عسكري فيها، هذا استهداف واضح وإجرام منظم في استهداف عائلات كاملة" 

فقد الدقيقة وساعات الأنقاض

مكثت الطفلة سوزي أشكنتنا (7 سنوات)، مدة 12 ساعة تحت الأنقاض، فيما مكث والدها 7 ساعات تحت الأنقاض عالقا تحت خرسانة حالت بينه وبين صوت طفله زين ذو العامين، الذي كان يصرخ: "بابا، بابا" إلى أن فقد صوته تماما، وبعد ساعات حاول أن ينادي ليسمع صوت ابنته دانا (8 سنوات) التي كانت تبكي وتأن بصوت خافت إلى أن بلع السكون والدمار صوتها الناعم. كان أبيهم يدرك مع مرور الوقت أن بفقدان صوتهم أنهم استشهدوا وأنه عاجز عن الوصول إليهم أو مساعدتهم، فلم يكن يهتم لجراحه ولا لنزفه، بل كان يفكر كيف يبعد الخرسانة عنه وينقذ أطفاله وزوجته.

بعد مرور سبع ساعات انتشلت طواقم الدفاع المدني الأب: رياض أشكنتنا، ليسألهم على الفور عن عائلته ومن على قيد الحياة منهم. تم نقله إلى المستشفى وبعد مرورر 5 ساعات جلبوا له ابنته سوزي، ليعلم وقتها أنه لم يتبق له أحد سوى هذه الطفلة.

عائلة بسيطة

ويتابع رمزي أشكنتنا: "أخي كان يعمل في مطعم، انسان بسيط للغاية، وحياة العائلة بسيطة للغاية مثل أي عائلة غزيّة تكسب قوت يومها وتعيش حياتها بشكل عادي، تحاول الاستمتاع بما لديها، وكان يحب أطفاله كثيرا". 

ويتابع أشكنتنا عن أفراد العائلة وأحلامهم: الطفلة دانا طفلة مميزة جدا، حتى أن الحارة حزنت عليها جدا، دانا معروفة بابتسامتها وبشخصيتها المحبوبة لدى الجميع، وبتعاملها وإقبالها على الحياة والاشخاص، وكانت تحب اللعب كثيرا ومع جميع الأطفال في الحي، وكانت تحب المدرسة والمعلمات، وتحلم بأن تصبح محامية. ولانا التي كانت تجهّز لها أمها مريول المدرسة لأنها سوف تدخل المرحلة الأساسية من المدرسة، أما الصغار الباقيين فكانوا كالملائكة يملؤن البيت على أمهم وأبيهم، وكان أبيهم ينتظر بأن يكبروا ويصبحوا كما يحبون ويرغبون. 

فيما يقول أشكنتنا عن حالة سوزي التي لا تكف عن البكاء، وتتساءل يوميا: "أين أمي لماذا لم تأخذني معها، بدي ترجع اتدرسني". سوزي تذهب إلى قبر أمها كثيرا وتبكي وتتكلم معها وتقول لها بأنها حزينة "وزعلانة"، وتقدم لها الكثير من القصاصات المكتوبة بخط يدها رسائل لها

"ذهبت الفاكهة وجنتها"

فجر الأحد 16 مايو/ أيار

عشر شهداء

كان رب الأسرة، علاء أبو العوف في عمله بالبقالة خلف بنايتهم التي قصفها الاحتلال اللإسرائيلي، حينما سمع أصوات انفجارات قوية، التي حدثت على 4 موجات، تفصل بين الموجة والأخرى عشرين ثانية. وبعد انتهاء القصف تماما خرج أبو العوف وذهب إلى بيته ليطمئن على عائلته وأقربائه

يقول أبو العوف: "وجدت مكان البيت غبارا، والناس من الأماكن المحيطة نزلت إلى الشارع، وعلمت حينها أن كل من في البيت قد استشهد.

علاء أبو العوف هو والد الشهيدتين روان وشيماء وزوجته ديانا التي لحقت بهما بعد أن مكثت بالمستشفى أياما معدودة بعد القصف

ليلة القصف  

عندما انقشع الغبار، نظر أبو العوف إلى العمارة التي تقطن فيها عائلته وأقاربه، شعر بالحسرة والثبات معا، بالفجيعة والسكون، وكان ابنه الذي تبقى من عائلته يصرخ فما كان من أبو العوف إلا أن يواسيه ويثبته.

ويقول أبو العوف بصوت يملؤه الرجاء: "بدأت من بين الفتحات أرقب واسمع أي صوت أو حركة تصدر من هنا أو هناك علّني أجد أحدهم من العائلة، ولكن دون جدوى، في هذه الأثناء جاء الدفاع المدني وأضاء المكان بحثا عن "من هم تحت الانقاض

يقول أبو العوف بكل ألم عن المشهد حينما سقط الضوء الساطع على المكان: "كانت ساحة حرب حقيقية جمعت من الأهوال ما جمعت، وكان المنظر بشعا". يؤكد أبو العوف أن المنطقة آمنة ومدنية تماما ومتواجدة على الشارع الرئيسي، فيما لم يصدق أبو العوف عندما أتت أخبار أن عمارته قد قصفت

واستشهد أيضا من العائلة عمه وعمته، وابن عمته وزوجته وأولاده، وخالته

أفراح لم تكتمل

عائلة أبو العوف مثل أي عائلة غزية بسيطة، يتحدث علاء أبو العوف عن ابن عمه والذي كان يعمل طبيبا؛ وكان قد أشرف على أقسام مرضى الكورونا بالفترة الأخيرة في المستشفى التي يعمل بها، إذ أنه كان محبوبا من الأطباء. وابنته تالا أبو العوف التي كانت تحب أبيها كثيرا وهو كذلك كان يعتبرها مميزة للغاية، كما أنها أرادت أن تصبح مصوّرة. أما أبنه توفيق كان يطمح لئن يكون طبيبا مثل أبيه

أما عن أولاده يقول أبو العوف: "شيماء كانت تدرس طب أسنان، وكانت مخطوبة لابن خالها: "أنس اليازجي"، وكانا ينتظرا زفافهما بعد أقل من شهور. أما عن ابنته الثانية، يقول أبو العوف بضحكات متهدجة: "آه روان.. فاكهة البيت، والتي كانت تحب كثيرا الضحك واللعب، كانت تدرس بالجامعة تكنولوجيا المعلومات، ولطالما برعت في تخصصها وأحبته".

أما عن ديانا زوجته صمت طويلا وقال: "إنها جنتي.. جنة على الأرض، ولا شيء يصفها كانت أُم بكل معنى الكلمة"

"يما خليكِ معي"

فجر الأحد 16 مايو/ أيار

إثنان وعشرون شهيداً

ليلة القصف

يتحدث لنا محمد الكولك الناجي من مجزرة عائلة الكولك: "يتكون بيتنا من ثلاثة طوابق وبجانبنا عمارة عمي المكونة من خمسة طوابق، سمعت أصوات انفجارات قوية، وكنت في البيت أداعب قصي ابن اخي الصغير ذو الست شهور. هذه آخر لحظاتي كانت مع العائلة يقول بكل حزن. ويتابع الكولك: "نزل أبي عند جدي وجدتي ليتفقدهم في هذه الأثناء، وتوجهت عند أمي وقمت بأخذها إلى الداخل. وتوالت الانفجارات والصواريخ بلا رحمة، وذهبت لأحضر هاتفي، وكانت الجدران تتساقط، والاسقف ترجّ من حولي، ذهبت لاحتضان أمي مرة أخرى، ولأتلقّى عنها الركام المتساقط".

بعد انتهاء القصف وجد محمد الكولك نفسه تحت الركام وجلس ينادي ولكن لم يكن هناك أحد يستطيع سماعه، وهو لم يكن يستطيع سماع أي أحد. فقد الكولك الوعي مرارا وتكرار ولكن في كل مرة كان يرن هاتفه من صديقه، يستقيظ، وتحدث معه أخيرا ليصف له مكانه بالتحديد من البيت من تحت الركام

بعد ربع ساعة من المكالمة، جاء الدفاع المدني، ويقول الكولك: "استمررت بالصراخ والمناداة، ووصلوا لإنقاذي، وأمي التي كنت أنادي عليها من حين لآخر: "يما خليكِ معي".

مكث الكولك تحت الأنقاض 6 ساعات مع والدته، ونقل إلى المستشفى واطمئن على والداته، ومن هول الصدمة نسى ما تبقى من أفراد عائلته، ويتابع الكولك: " لأبدأ بالسؤال عليهم واحدا واحدا، لإعرف من نجا منهم؟ وقال مستغربا: "لم ينج أحد منهم سوى أمي وأعمامي الاثنين، وابنة عمي وابن عمي من العائلة كلها، فيما استشهد 22 فردا منا".

ويقول الكولك بكل ثقل: "أشعر بأنني ما زلت في كابوس، وما زلت أريد أني يوقظني أحدهم، نحن مدنيين آمنيين، تم استهدافنا بشكل مباشر وعنيف وكثيف، ما ذنبنا نحن، ما ذنبي أن أفقد 22 فردا من عائلتي؟

يقول صديق العائلة المقرب شكري: "كانت عائلة الكولك من أروع العائلات في غزة، وكانوا مثال للعائلات الأخرى في العلم والأدب، فمعظمهم يعملون في مجال هندسة، ويبرعون به".

أما الأطفال فقد كانت لهم حياتهم ورغباتهم: رولا الكولك تحب الرسم كثيرا، ويارا كانت تحلم بأن تصبح مهندسة معمارية، وحلا كانت تطمح لئن تصبح طبيبة، وهناء كانت تحفظ أجزاء من القرآن الكريم، أما زيد فيتمتع بالذكاء الحاد، وأحمد كان رياضيا ويحب لعب كرة القدم ويحلم بأن يصبح لاعبا مشهورا.

ذهبوا مع كعك العيد

فجر الأحد 16 مايو/ أيار

خمسة شهداء

"أطفالي أغلى ما أملك، كانوا على قدر عالٍ من العلم والأدب، وأمهم التي سوف استلم شهادتها في ماجستير علم النفس. يشعر المرء باحتراق قلبه، 16 عاما من حياتي نسفها الاحتلال الإسرائيلي وكأن شيئا لم يكن"، يقول الوالد رامي الأفرنجي بكل ألم ويؤكد على رفعه دعوى قضائية في محكمة الجنايات الدولية على مجزرة إبادة عائلته.

عائلة الأفرنجي والتي راح ضحيتها الأم وأولادها الأربعة، وهي واحدة من العائلات الأربع في نفس المربع السكني بشارع الوحدة الذي قصفه الاحتلال الإسرائيلي بـ60 صاروخا بأقل من دقيقتين

ليلة القصف

يقول رامي الأفرنجي والد الشهداء: كنت وحدي في بيتنا، استيقظت على صوت انفجارات شديدة ومتتالية، وكانت الساعة الواحدة صباحا تقريبا، وكانت الكهرباء مقطوعة، في شارع الثورة بحي الرمال، كانوا قد قصفوا مراكز حيوية مثل مؤسسة أطباء بلا حدود، ووزارة العمل، مسجد النور، ومكتب تكسي، أي شارع بالكامل. 

بعد دقائق، اتصل ابن عمته ليطمئن عليه وأخبره مفزوعا بإن الاحتلال الإسرائيلي قد قصف عمارة أبو العوف في شارع الوحدة. يقول الإفرنجي: "نزلت الدرج مفزوعا وكان الشارع مليئا بالناس، وشاهدت العمارة وهي مقصوفة، وعرفت حينها أنهم استشهدوا جميعا، حجم الدمار والركام كان رهيبا، لا مجال أصلا لسماع أي حي". كان الأفرنجي قد أرسل زوجته وأولاده زيارة إلى بيت جدتهم هناك، وكانوا يحملون معهم كعك العيد، لأنهم أرادوا الاحتفال والنوم هناك. 

عائلة تحب العلم والتفوق

يتحدث الإفرنجي عن أولاده؛ ديما الكبيرة كانت متفوقة، تعلّمت التحدث باللغتين الفرنسية والإنجليزية، وكانت تريد أن تصبح طبيبة وتحب الفن والرسم كثيرا. وميرا كانت متفوقة بدراستها وتريد أن تصبح طبيبة أسنان. أما يزن فقد كان متفوقا بالرياضيات ويرغب بدراسة هندسة الحاسوب وهو صاحب ابتسامة ووجه بشوش وكان محبوبا لدى الجميع. ويزن الذي يحب كرة القدم يرغب بأن يمون مهندسا مدنيا. وزوجتي قد أتمت ماجستير علم النفس، ولم تأخذ شهادتها بعد فقد استشهدت قبل أن تأخذها. كانت رجاء الإفرنجي متطوعة وتعمل في جلسات وبرامج العلاج النفسي مع المؤسسات الدولية مساعدة أهل غزة. 

ينهي الإفرنجي حديثه عن عائلته التي رحلت: "كانت حياتنا طبيعة، كان لدينا بيت يحتوينا، نحب الحياة، وأولادي على مستوى عالي من الأخلاق والعلم والأدب"

عائلة دير البلح

كرة من اللهب فوق مدينة غزة بعد غارة جوية إسرائيلية على بيوت المدنيين الآمنيين عام 2019

كرة من اللهب فوق مدينة غزة بعد غارة جوية إسرائيلية على بيوت المدنيين الآمنيين عام 2019

أشلاء معجونة بالركام

عصر الأربعاء 19 مايو/ آيار

ثلاثة شهداء

يوم القصف

يروي لنا عمر صالحة، 31 عاما، ما حدث يوم القصف الذي راح ضحيته عائلة أخيه بأكملها. فيقول صالحة: "بعد العيد بيومين، الساعة الرابعة عصرا، توجهنا إلى بيت أختي من أجل معايدتها فلم يتسنَ لنا معايدتها خلال العيد. وتركنا أخي إياد صالحة (35 عاما) من ذوي الاحتياجات الخاصة وهو شاب مُقعد، وزوجته التي كانت حاملا، مع طفلتهم الصغيرة نغم في البيت، .وكانوا يحضّرون طعام الغذاء لتناوله

حيث كانت تقطن عائلة صالحة مع بيت العائلة المكوّن من 10 أفراد. ويتابع إياد أبو صالحة بكل ذهول وأسى: "بعد أقل من نصف ساعة من خروجنا، أبلغنا أنه تم قصف بيتنا وهرعنا جميعا إلى المكان، وصلنا إلى بيتنا وكأنه لم يكن، وكانت الأشلاء "معجونة بالركام، وانهارت أعصابنا جميعا

أحلام بسيطة

كان عمر أبو صالحة يقوم بكل البيت من لوازمه، وكانت حياتهم بسيطة للغاية وهادئة، ويؤكد أبو صالحة: "بها من الانبساط ما يكفينا، كانت أمنية أخي إياد أن يرى أولاده من حوله، كان يحب الحياة كثيرا، وكانت أجواء العائلة تسودها المحبة والاحترام. الحياة دفنت في بيتنا، الفرحة أطفئت".

كان عمر أبو صالحة يجب ابنة أخيه نغم كثيرا، فيقول ويشعر بالفقد الشديد: "كانت تلعب معي كثيرا وتحبني كانت فاكهتي وفاكهة البيت" 

كان أبو صالحة قد خطط للتقدم لفتاة بعد العيد من أجل خطبتها، ولكنه يقول: "الآن ذهب كل شيء البيت والمال وعائلتنا الصغيرة"

عائلتا الشاطئ

ما قبل العشاء الأخير

فجر 15 آيار/ مايو

إحدى عشر شهيداً

علاء أبو الحطب، وهو صاحب العمارة التي قصفت في منطقة الشاطئ، وراح ضحية القصف زوجته ياسمين وأولاده الخمسة، واخته مها وأولادها الأربعة. في وسط مشهد من الذهول يحدثنا أبو الحطب عن تفاصيل يوم المجزرة

يوم القصف

"كان الوقت مغربا، نحن أسرة نتكون من سبعة أفراد، جاءت أختي مها الحديدي زيارة إلى بيتي، ثاني يوم بالعيد احتفالا به، على الرغم من الحرب والقصف والدمار، كانت هناك أجواء من المرح واللعب عندما اجتمع الأطفال مع بعضهم البعض، محاولين نسيان الحرب وأصوات القصف، ومناظر الدمار، ليندمجوا باللعب 

ويتابع أبو الحطب بكل أسى وألم: "حان وقت العشاء، ذهبت لاشتري الخبز، بعد ربع ساعة وبخمسة صوراريخ طائرة حربية انتهت الحياة التي بنيتها طيلة 11 سنة

ففي تمام الساعة الواحدة والنصف صباحا، سوّيت عمارة أبو الحطب بالأرض، دمارا وركاما، ويوضح أ[و الحطب: "المنطقة مدنية بالكامل، والجميع نيام، من هول الدمار لم أعد أدرك جغرافية المكان؛ قصفوا عيادة طبية، ومحل حلويات وبقالة وصالون حلاقة وعمارتي، وسيارة العمل التي كنت أكسب رزقي منها". 

عائلة أبو الحطب كانت تنتظر الخبز لتحظى بعشائها الأخير، ولم يدر الأطفال أن هذه لعبتهم الأخيرة مع بعضهم البعض. يقول أبو الحطب: "كل الذين كانوا بالبيت استشهدوا ما عدا أصغر اثنين: "بنتي الصغيرة ماريا (4 سنوات)، وابن اختي (5 شهور).

ماريا تسأل والدها كل صباح إلى أين ذهبت أمها، وما هي الجنة التي ذهبت إليها، وتقول له: "لماذا لم تأخذني معها، أشتقت إليها كثيرا".

ألم فقد العائلة مجددا 

يتحدث أبو الحطب عن معاناته وحبه للعائلة والفقد الثاني، فيقول: "كانت عائلتي صغيرة؛ تربيت يتيما، وكنت أرعى اخوتي، وهكذا كبرنا وأصبح لكل منا عائلة، نحن بسيطون للغاية". كان علاء أبو الحطب دائما ما يذهب بأولاده وأولاد أخته إلى المنتزه، ويتابع بشيء من الفرحة المشوبة بالحزن: "كنت أحب أن آراهم الأطفال سعداء، جلست بالفترة الأخيرة معهم كثيرا وكأن القدر يخبرني بأن أشبع منهم قبل أن يرحلوا، لم أجعل شيئا واحدا يريدونه كنت ألبي جميع متطلبات عائلتي التي أحب، كنا مليئين بالسعادة والحب".

وعن احلام أطفاله يخدثنا بأن يوسف أبو الحطب كان يريد أن يصبح طبيبا لأنه يحب مهنة معالجة الناس، وبلال كان يرغب بأن يكون مهندسا. ومريم كانت تحب اللغة العربية والقراءة كثيرا وترغب بأن تكون دكتورة أسنان

أما صهيب الحديدي كان يحلم بأن يكون طيارا، وأخيه يحيى يحب التكنولوجيا كثيرا

عائلتا شمال غزة

الصلاة على جثامين الشهداء خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة والمجازر التي ارتكبتها بحق العائلات عام 2021

الصلاة على جثامين الشهداء خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة والمجازر التي ارتكبتها بحق العائلات عام 2021

  على موعد مع الدم والركام

فجر 13 آيار/ مايو

ستة شهداء

في الساعة الثانية فجرا وفي أول يوم العيد، قصف الاحتلال الإسرائيلي مربع سكني كامل في منطقة بيت حانون شمالي غزة، يقول أبو رأفت الطناني: "9-11 بيتا سوّيت بالأرض"

ليلة القصف

يتابع لنا الطناني حديثه: "عمارة ابنتي مكونة من 7 طوابق. كان الأمر أشبة بزلزال مهيب، من 25- 30 صاروخا في دقائق معدودة، سبعة طوابق نزلت على أبني رأفت الطناني وزوجته، وأولاده والطفل في "أحشاء أمه 3 شهور

يقول أبو رأفت عن المشهد المفزع: "كان بيته يبعد عن بيتي حوالي حوالي 400 متر، لم نكن نستطيع الرؤية ولكن لهب الصواريخ دخل بيوتنا، وبعد أن هدأ الوضع قليلا علمت أن عمارة ابني قصفت بالكامل، حاولت الاتصال به ولكن دون جدوى". 

رأى الطناني ابنه وعائلته لآخر مرة قبل يومين من القصف، وكانت لحظات عائلية جميلة. ويتابع الطناني بشيء من الريبة والحزن: "آخر كلمات قالها بالحرف الواحد لأخته التي أصرت على مبيته في المنزل: "بدي أروّح أنا وأولادي وزوجتي على بيتي واستشهد أنا وإياهم".. "أنا صعقت من سماع هذه الكلمات ولم أرد عليه" يقول الطناني، ونظر إلى ابنه بطرف عينه ولم يناقشه. ثم قال بحزن وألم: "نعم، كان على موعد مع القدر، ولم أراهُ مرة أخرى إلا عندما انتشلوه من تحت الأنقاض. 

ما زلت انتظر أحفادي

"كنت أنظر إلى أحفادي على أنهم 4 كواكب في السماء، ولهم أفلاكهم الخاصة حينما يكبروا، كنت متشوقا للحظة التي أرى فيها حياة كل أحد فيهم؛ وخصوصا الطفلين اسماعيل وأمير لأنهما كانا مميزين للغاية، كانت لديهم سمات الرجولة والشجاعة والحكمة وكلامهم كالكبار وكانو متفوقين بالدراسة ويحبون الحياة. ويقول بكل رجاء :"كان الصغير دوما ينتظرني عند الباب يُقبّلني ويجلس في أحضاني لقد كان زهرة.

ويؤكد الطناني بقوله: "لقد حرمنا الاحتلال من الحياة، كانوا كل حياتنا، هم مجرد مدنيين آمنين في بيوتهم، ولم يتم تحذيرهم قبل القصف". أما رَاوية أمهم التي كانت بمثابة ابنة للعائلة وأكثر لشدة عطفها عليهم. 

وينهي الطنان حديثه بكل شجاعة وصبر: "هذا قدر ومصير الشعب الفلسطيني منذ عام 1948، وسنكمل المشوار، وفلسطين غالية، وتاج فلسطين القدس، ابني وأحفادي قضوا شهداء من أجل مدينة القدس. وكلي أمل بأن أعود إلى قرية هربيا وإلى البرتقال الذي زرعه اجدادي هناك.

حضن أخير دافئ بملابس العيد

منتصف ليل 14 مايو/ آيار

أربعة شهداء

ليلة القصف

كان الأطفال خائفين ويصرخون من أصوات الانفجارات، فما كان من  أمهم لمياء العطار إلا أن تحضن طفليها من الجانبين: إسلام وأميرة، ممسكة أيضا بـ"محمد زين" في المنتصف الطفل الرضيع البالغ من العمر 9 شهور وجميعهم يرتدون ملابس العيد

يروي لنا والدهم محمد العطار تفاصيل اقتراب الموت من زوجته وأطفاله ويقول: "كنت في نفس الغرفة في الجهة المقابلة وإذ بصاروخ يصيبنا، ونزل عامود على الأم والأطفال أمام عيوني، كان هذا آخر مشهد لهم، فيما غطاني الركام أيضا ليحول بيني وبينهم"

بعد فترة استطاع الأب الخروج والاتصال بالدفاع المدني، ووصل بعد ساعة من شدة القصف في تلك الليلة، وعندما قاموا بإخراجهم كانوا قد فارقوا الحياة

وعد لم يتم

"بفقدانهم فقدت كل شيء في لحظات وأمام عيني، يقول العطار بكل ألم وحزن. "كانوا أطفالي في بداية حياتهم، وقمت بتسجيلهم بالمدارس منذ فترة، فبلال في الصف الثاني وكان من الأوائل ومن المميزين وسجلته في نفس المدرسة التي أعمل بها أستاذا، كي أذهب وأرجع معه". أما أميرة كانت في الصف الأول وتحب اللعب كثيرا

كان أطفال العطار يرغبون في شراء العاب العيد، ووعدهم والدهم بأن يشتري لهم الالعاب بعد أن تهدأ الحرب. ولكن الأطفال استشهدوا قبل أن يحضوا بألعاب العيد.

عائلة تل الهوى

صدمة وتصوير الفلسطينيين لمشهد قصف الاحتلال الإسرائيلي برجا يضم مكتب وكالة أسوشيتد برس وشبكة الجزيرة ومراكز إعلامية أخرى في قطاع غزة في حرب عام 2021

صدمة وتصوير الفلسطينيين لمشهد قصف الاحتلال الإسرائيلي برجا يضم مكتب وكالة أسوشيتد برس وشبكة الجزيرة ومراكز إعلامية أخرى في قطاع غزة في حرب عام 2021

 ناجٍ على قيد الأجهزة

الثانية بعد منتصف الليل 12 آيار/ مايو 

ثلاثة شهداء

ليلة القصف

في حي تل الهو، على الساعة الثانية بعد منتصف الليل وفي آخر يوم برمضان 2021، كانت عائلة التلباني نائمة. تحادثت معهم جدتهم أم أنس التلباني قبل ساعتين من استشهادهم، تقول بكل حرقة: "بأي حق وقانون يستهدفون الأطفال والبيوت الآمنة، بعد 11 يوما وجدنا جثة الطفلة متحللة"

وتتابع الحاجة أم أنس حديثها عن المجزرة التي أرتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، ووصفتها بالفاجعة: "استشهد الأم ريما وكانت حامل بالشهر السادس، وطفليها: زيد ومريم أما والد العائلة محمد التلباني وضعه حرج لغاية الآن، وأصابته خطيرة وهو في غيبوبة حتى الآن". 

 تقول أم أنس بكامل الأسى والحسرة: "الأم والابن زيد كانوا أشلاء، لم يسعني النظر إليهم". وتكمل بيأس: "تحسست رأس الطفلة مريم عندما وضعوها داخل الكيس، وبكيت بحرقة شديدة.

ما ذنبهم؟

تنهمر الدموع من عيون أم أنس، وتتساءل: "تهمتهم الوحيدة أنهم فلسطينيون، كانت أسرتهم أسرة سعيدة ومتفاهمة، القلب محروق كل دقيقة نموت ننظر أي اتصال عن حالة ابني، لا نعرف من نبكي من هم تحت الأرض، أم من تبقى فوقها"

عندما تنظر أم أنس التلباني إلى باب بيتها تتخيل أنهم لا يزالون يأتون إلى زيارتها، وتقول: "كنت أنتظرهم بملابس العيد، وضعنا النفسي لا يحتمل، هذا هو الإرهاب بعينه" 

في حرب إسرائيل على غزة عام 2014، كانت إحدى سماتها ارتكاب الإبادات بحق عوائل كاملة بفعل الغارات الإسرائيلية، والتي استمرت نحو 50 يوماً، إذ راح ضحيتها 142 عائلة فلسطينية مسحت من الوجود وفقاً لأرقام الأمم المتحدة

خلال عدوان 2014 على غزة عائلتان فلسطينيتان كانتا تُمسحان يومياً من السجل المدني


فيما تؤكد العديد من الشواهد اليوم، وآنذاك، أن هذا القصف وارتكاب الإبادات لم تكن بالصدفة، بل أن تفجير المنازل والساكنين بداخلها هو قرار من السلطات العليا، مدعوم ومدروس وبموافقة خبراء عسكريين؛ وفقا لتقرير جاء في صحيفة هآرتس

بنفس الأسلوب والنهج اتبع الاحتلال الإسرائيلي الإبادات في حربه الأخيرة على غزة لعام 2021 والتي استمرت 11 يوما، واستشهدت خلالها 10 عائلات فلسطينيية بالكامل

خلال عدوان أيار 2021 على غزة، عائلة فلسطينية واحدة كانت تُمسح يومياً من السجل المدني






Investigated & Created by: Hibba Batta



Presented to "We Are Stories" project

Supervised by Dr. Nader Salha

Media Department | Al-Quds University | Spring 2021